مواقف الصحابة تدعونا إلى التعلم والمعرفة بديننا الصحيح وما به من خير وسلام للبلاد ..وما عرف عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه، مواقف عديدة تعلم أولوا الأمر والحكام وتعظ كل ذو سلطان ومال..

نثرد تلك المواقف التى تعرض قوة وعظمة الإسلام فى نقاء القلوب والعدل والإيمان …

عام الرمادة

في عام الرمادة (العام الذي أصيب فيه المسلمون بالقحط والجوع) كان – رضي الله عنه – لا يأكل إلا الخبز والزيت حتى أسود جلده ويقول: بئس الوالي إن شبعت والناس جياع.

الأم والصبيان

قال أسلم مولى عمر بن الخطاب خرجتُ ليلة مع عمر إلى حرة (وهو المكان الممتلئ بالصخور والذي يصعب المشي عليه) وأقمنا حتى إذا كنا بصرار فإذا بنار فقال:

يا أسلم ها هنا ركب قد قصر بهم الليل انطلق بنا إليهم فأتيناهم، فإذا امرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على النار وصبيانها يبكون..

فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء (وهذا من أدبه -رضي الله عنه – فلم يحب إن يقول لهم السلام عليكم يا أهل النار)

قالت: وعليك السلام

قال: ادنو؟!

قالت: ادن أو دع ؟! فدنا

فقال: ما بالكم؟!

قالت: قصر بنا الليل والبرد.

قال: فما بال هؤلاء الصبية يبكون؟!

قالت: من الجوع.

فقال: وأي شيء على النار؟!

قالت: ماء أعللهم به حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر..

فبكى عمر ورجع يهرول إلى دار الدقيق فأخرج عدلًا من دقيق وجراب شحم.

وقال: يا أسلم احمله على ظهري.

فقلت: أنا أحمله عنك يا أمير المؤمنين.

فقال:أأنت تحمل وزري عني يوم القيامة؟!

فحمله على ظهره وانطلقنا إلى المرأة فألقى عن ظهره ووضع من الدقيق في القدر وألقى عليه من الشحم، وجعل ينفخ تحت القدر والدخان يتخلل لحيته ساعة ثم انزلها عن النار.

وقال: ائتني بصحفة (وهو ما يوضع فيه الأكل) فأتى بها فغرفها ثم تركها بين يدي الصبيان.

وقال: كلوا فأكلوا حتى شبعوا والمرأة تدعو له وهى لا تعرفه فلم يزل عندهم حتى نام الصغار، ثم أوصى لهم بنفقة، وانصرف ثم اقبل علي فقال يا أسلم الجوع الذي أسهرهم وأبكاهم.

أبل الصدقة

إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رأى عمر وهو يعدو إلى ظاهر المدينة (أي خارجها) فقال له إلى أين يا أمير المؤمنين؟!

فقال قد ند بعير( أي هرب ) من ابل الصدقة فأنا أطلبه.

فقال: قد أتعبت الخلفاء من بعدك يا عمر.

المرأة العجوز

قال طلحة بن عبد الله خرج عمر بن الخطاب ليلة في سواد الليل فتبعته فدخل بيتا فلما أصبحت ذهبت إلى ذلك البيت فإذا عجوز عمياء مقعدة فقلت لها: ما بال هذا الرجل يأتيكِ؟!

فقالت: إنه يتعاهدني مدة كذا وكذا يأتيني بما يصلحني ويخرج عنى الأذى (أي الأوساخ)

فقلت لنفسي: ثكلتك أمك يا طلحة أعثرات عمر تتبع.

التواضع

حمل رضي الله عنه قربة على عاتقه فقيل له:

لماذا يا أمير المؤمنين؟!

فقال: إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها.

الصبي الجائع 

اهتزت المدينة، وعَجت طرقاتها بالوافدين من التجار الذين نزلوا المصلى، وامتلأ المكان بالأصوات.

فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما: هل لك أن نحرسهم الليلة من السرقة ؟!

فباتا يحرسانهم ويصليان ما كتب الله لهما، فسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه صوت صبي يبكي، فتوجه ناحية الصوت وقال لأمه التي تحاول إسكاته: اتقي الله وأحسني إلى صبيك.
 

ثم عاد إلى مكانه فارتفع صراخ الصبي مرة أخرى، فعاد إلى أمه وقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان في آخر الليل سمع بكاءه فأتى أمه فقال عمر رضي الله في ضِيقٍ: ويحك إني أراك أم سوء، مالي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة؟!

قالت الأم في حزن وفاقة: يا عبدالله قد ضَايَقتَني هذه الليلة إني أُدَربُهُ على الفِطام، فيأبى.

قال عمر رضي الله عنه في دهشه: وَلِمَ؟

قالت الأم في ضعف: لأن عمر لا يفرض إلا للفَطيم.

ارتعدت فرائص عمر رضي الله عنه خوفاً، وقال في صوت متعثر، وكم له؟

قالت: كذا وكذا شهراً.

قال عمر رضي الله عنه: ويحك لا تعجليه.

ثم انصرف فصلى الفجر وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء، فلما سلم قال: يا بؤساً لعمر! كم قتل من أولاد المسلمين؟!

ثم أمر لكل مولود في الإسلام، وكتب بذلك إلى الآفاق.

حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر

عندما أرادت فرنسا احتلال مصر أرسلت علماء من مختلف التخصصات مكثوا في مصر عشر سنوات لدراسة كيفية معيشة الشعب المصري، وتلك طبيعة أي عدوان أن يدرس طبيعة الشعب الذي يريد احتلاله…

كذلك فعل كسرى.. أن أرسل سبعة من حاشيته المقربين إلى زيارة عاصمة الإسلام وملكهم عمر بن الخطاب، حيث كان يظن أنها مملكة..

وأمرهم أن ينظروا كيف يعيش وكيف يتعامل مع شعبه فدخلوا المدينة بالفعل وأرشدوهم إلى المسجد فسألوا أين قصر أمير المؤمنين، فضحك الصحابة من سؤالهم هذا وأخذهم أحد الصحابة، وقال لهم أترون هذا البيت الطيني وعليه شعر ماعز 

وضعه عمر لكي لا يسقط المطر فينهدم البيت على رأس عمر وأولاده … نظر الرسل بعضهم إلى بعض ظانين منهم أن هذا البيت ربما كان المنتجع الصيفي، أو مكانا ليقضي فيه بعض الوقت هو وأهله..

فقالوا: بل نريد قصر الإمارة، فقال لهم: إن هذا هو .. فطرقوا الباب ففتح لهم عبد الله بن عمر بن الخطاب فسألوه عن أبيه..

فقال: ربما كان في نخل المدينة.. فخرج معهم عبد الله حتى وصلوا إلى هناك فقال لهم: أترون هذا الرجل النائم هناك إنه عمر بن الخطاب، وقد كان المشهد الذى رآه وفد كسرى عبارة عن رجل نائم على ظهره يغط في نوم عميق على الأرض 

يده اليسرى تحت رأسه وسادة ويده اليمنى على عينه تحميه من حرارة الشمس..

فقال قولة صدق أصبحت مثلا واصبح الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها 

(حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر)!! 

الفاروق القائد العادل 

في آخر عام في السنة العاشرة من حكمه قال إن عشت العام القادم سوف أذهب الى كل بلد أعيش فيها شهرين فإن الرعية لها أمور يحجبها عني الولاة، فو الله سوف يكون أحلى عام هذا الذي أقضيه بين الرعية أسمع فيها شكواهم، ولكنه عندما كان بالمدينة كان لديه تقارير عن حركة الولاة فبلغه ذات مرة أن عمرو بن العاص في الفسطاط يجلس بين الناس متكئا 

وقد كان كبيرًا في السن فأرسل إليه رسولا خاصا (محمد بن أبي مسلمة)، يقول له من عبد الله بن عمر أمير المؤمنين إلى العاصي بن العاص إذا بلغتك رسالتي فاجلس كما كان يجلس رسول الله..

فقد كان يتحكم وهو في المدينة في جلوس الولاة .. 

وبلغه أيضا أن سعدًا صنع بابًا على باب الإمارة فمن يأتي يطرقه فقال يا بن مسلمة أذهب فاكسر الباب، وقل له يا سعد يا خال رسول الله من حجب بينه وبين الرعية حجب الله بينه وبين الجنة يوم القيامة..

وكان رضي الله عنه أول إنسان في التاريخ يعمل السجلات العسكرية، وكان يطرق على زوجات الجنود المتواجدين في الحرب فيسألهم هل تريدون شيئا من السوق فيجلبه لهم..

أمير المؤمنين يحاسب ولده

خرج عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، إلى السوق يوما في إحدى جولاته التفتيشية، فرأى إبلا سمانا تمتاز عن بقية الأبل، التي في السوق بنموها وامتلائها..

فسأل إبل من هذه؟ قالوا: هذه إبل عبدالله بن عمر فانتفض أمير المؤمنين مأخوذا، وقال عبدالله بن عمر؟ ويحك يا ابن امير المؤمنين، وارسل في طلبه فورا، وأقبل عبدالله حتى وقف بين يدي والده، وقال لابنه ما هذه الابل يا عبدالله؟

فأجاب عبدالله: إنها إبل انضاء أي هزيلة اشتريتها بمالي وبعثت بها إلى الحمى أي المرعى أتاجر فيها وابتغي ما يبتغي المسلمون..

فعقب عمر يعنف ابنه ويبكته، ويقول الناس حين يرونها اسقوا إبل أمير المؤمنين ارعوا إبل امير المؤمنين وهكذا تسمن إبلك ويربو ربحك يا ابن أمير المؤمنين..

ثم صاح به: يا عبدالله بن عمر، خذ رأس مالك الذي دفعته في هذه الإبل واجعل الربح في بيت مال المسلمين.

الفاروق والحرية 

كان الجو صحوًا، والفراغ موجودًا، والسعة حاضرة، وفي مثل هذه الأيام التي تستهيم الناس، جاءت مسابقة ركوب الخيل في مصر بعد الفتح، وكان من بين المتسابقين ابن حاكم مصر عمرو بن العاص.

وبعد جولة أو جولتين فاز بالسباق واحد من الأقباط المغمورين، فاستدار ابن الأمير – كأنما هو جبل شامخ والناس في سفحه رمال فمال على رأس القبطي وضربه بالسوط وقال له: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟

فغضب والد الغلام القبطي وسافر ومعه ابنه من مصر إلى المدينة المنورة يشكو إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هتك العدالة والحرية، ويطلب منه إنصاف ولده.

ولما استمع عمر بن الخطاب إلى شكوى الرجل تأثر كثيرًا وغضب غضبًا شديدًا فكتب إلى والي مصر عمرو بن العاص رسالة مختصرة يقول فيها:

إذا وصلك خطابي هذا فاحضر إليّ وأحضر ابنك معك!

وحضر عمرو بن العاص ومعه ولده امتثالًا لأمر أمير المؤمنين، وعقد عمر بن الخطاب محكمة للطرفين تولاها بنفسه 

وعندما تأكد له اعتداء ابن والي مصر على الغلام القبطي، أخذ عمر بن الخطاب عصاه وأعطاها للغلام القبطي قائلًا له: اضرب ابن الأكرمين!!

فلما انتهى من ضربه التفت إليه عمر وقال له: أدِرها على صلعة عمرو فإنما ضربك بسلطان أبيه!!

فقال القبطي: إنما ضربتُ مَن ضربني، ثم التفت عمر إلى عمرو وقال كلمته الشهيرة: “يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”؟ 

العجوز الشاعرة 

في كُوخ صغيرٍ يقع أقصى المدينة لاح ضوء مصباح يحاول اختراق الظلام في ضعف، اقترب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الكوخ، فإذا عجوز تجلس في ثوب أسود تائهة في العتمة التي لم يستطع المصباح هتكها، تردد في شجاً:

عَلَى مُحمدٍ صَلاَة الأَبرار …….صَلى عَلَيكَ المصطَفون الأخيار

قد كُنتَ قَواماً بَكِى الأسحار …….ياليت شِعري والمنايا أَطوار

(( هَل تجمعُني وحَبيبي الدار))

أهاجت هذه الكلمات الماضى الهاجع في فؤاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتذكر الأيام الخوالي، فبكى وسحت دموعه هادرة، وقرع الباب عليها..

فقالت: من هذا ؟ قال وهو يغالبه البكاء: عمر بن الخطاب!!

قالت: ومالي ولعمر؟

ومأتى بعمر هذه الساعة؟؟

قال : افتحي – رحمك الله – فلا بأس عليك، ففتحت له فدخل!!

فقال : رددي علي الكلمات التي قلت آنفاً 

فرددت عليه، فلما فرغت منها..

قال أسألك أن تُدخِليني معكما!!

قالت: وعمر فاغفر له يا غفار..فرضى ورجع!!

اليوم أسبق أبا بكر

وقف النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً يحث الصحابة (رضوان الله عليهم) على الإنفاق والصدقة..

وكان من بين هؤلاء الصحابة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي انشرح صدره وتهلل وجهه؛ لأنه وافق مالًا عنده.

فقال عمر رضي الله عنه: اليوم أسبق أبا بكر رضي الله عنه!!

فقام مسرعًا يسبق الريح ، ثم عاد وقد تعلقت بيده صُرة كبيرة من المال وضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الصرة الكبيرة ثم استقبله بنظره قائلاً: ما أبقيت لأهلك؟

قال عمر رضي الله عنه: أبقيت لهم مثله..

ثم انصرف عمر رضي الله عنه إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم، وما هي إلا هنيهة حتى دخل أبو بكر رضي الله عنه المسجد حاملًاً بين يديه صرة أكبر وأعظم من التي جاء بها عمر رضي الله عنه، فوضعها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.

تبسم النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا ما أبقيت لأهلك؟!

أجابه بكلمات خاشعة: أبقيت لهم الله ورسوله!!

حَرك عمر رضي الله عنه رأسه إعجابًا بالصديق قائلًا: لا أسبقك إلى شيء أبدًا يا أبا بكر!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *